Wednesday, June 2, 2010

الاتصالات والهيمنة الثقافية

الاتصالات . . . وقضايا . . . المجتمع
أول الطريق إلى الحكمه هو أن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية – وباب الاتصالات وقضايا المجتمع يلقي الأضواء علي تأثيرات تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات علي القضايا الاجتماعية والأمور العظيمة قادمة وتستحق أن نحيا ونموت مـن أجلها
.
الاتصالات والهيمنة الثقافية
" يابني ضع قلبك وراء كتبك ، وأحبها كما تحب أمك ، فليس هناك شئ تعلو منزلته علي الكتب " كانت هذه وصية لحكيم مصري قديم كتبها لابنه علي ورق البردي . . تصدرت هذه الوصية مقدمة كتاب الاتصال والهيمنة الثقافية والصادر عن مكتبة الاسرة عام 2007 ضمن سلسلة العلوم الاحتماعية والكتاب من تأليف هربرت شيلر ( عالم أمريكي ) وترجمة دكتور وجيه سمعان عبد المسيح ومراجعة الدكتور مختار محمد التهامي ويستطرد . . شيلر في مقدمته أخذا في اعتباره الابعاد السياسية والاقتصادية أضافة للابعاد الثقافية في مخطط هيمنة القطب الأوحد علي العالم الثالث وقد كرس شيلر مؤلف الكتاب حياته وجهده لقيادة تيار نقدي للاوضاع الاعلامية والثقافية السائدة علي المستوي الدولي والتي يقودها القطب الأوحد بماله من نفوذ قوي يسعي من خلاله للسيطرة الثقافية والهيمنة الاعلامية بهدف أحداث نوع من التبعية الفكرية له بحيث يصبح النموذج الامريكي مصدر المعرفة الذي يسعي المثقفون من أبناء الدول النامية الي تقليده وتبني أفكاره ورؤاه دون وعي لما يمثله هذا النموذج من خطر داهم على حاضر بلادهم ومستقبلها وقد صدر لشيلر عدة كتب منها " الاتصال والامبراطورية الامريكية " وكتاب " الاعلان والاعلام الدولي في البحوث الجارية حول العنف والسلام " وكتابه " المتلاعبون بالعقول " والكتاب يتناول عدة قضايا تتلخص في . . قضية الهيمنة الثقافية منابعها وسياقها واساليبها ودور وكالة التنمية الدولية والشركات متعدية الجنسيات والتي تقدم الاموال والخبرات اللازمة لدعم البحوث والمراكز العلمية والتعليمية في بلدان العالم الثالث والتي تخدم في النهاية الاغراض الامريكية وتحقق لها أكبر قدر من المصالح والمكاسب . . خلق كوادر علمية من الوطنيين في هذه البلدان يكون ولاؤهم للولايات المتحدة ، ربط النظام التعليمي بالنظام المتبع في الولايات المتحدة ودور الخبراء المتواجدين في مراكز تطوير التعليم ووزاراته بالبلدان النامية وبما يكفل بضياع الهوية القومية وتحقيق الغربة الثقافية والحضارية والتبعية الفكرية التامة للنموذج الغربي الامريكي . . سحق المفكرين والقادة الوطنيين في الدول النامية والذين يسعون للخروج من دائرة الهيمنة الامريكية بكيل التهم لهم واتهامهم بالاثارة والتعصب والخروج علي قيم النظام العالمي والشرعية الدولية ( الغربية بالطبع ) . . يري المؤلف أننا علي أعتاب نوع جديد من الدبلوماسية الثقافية التي تستلزم تطور قطاع الاتصالات الثقافية في النظام العالمي وبما يتسق وأهداف النظام العام وغاياته . وهناك دور تلعبه وسائل الاعلام في عملية الهيمنة من خلال الحملات الاعلامية التي تشنها الدول الكبري ضد الدول التي تحاول الخروج من دائرة الهيمنه الارهابية من خلال الحملات الاعلامية التي تشنها الدول الكبري ضد الدول التي تحاول الخروج من دائرة الهيمنة مثل الادعاء بعدم ديمقراطية هذه الدول أو أنها تسعي للحصول علي ترسانة أسلحة نووية ولهذا تقوم بتعبئة للرأي العام العالمي لما يمكن أن يتخذ من أجراءات عسكرية ضد هذا أو ذاك . . يستطرد المؤلف في قضية التدفق الحر للمعلومات وفي أطارها تعمل الدول الكبري والتي تسعي الي الهيمنة بأن يكون لها وسائلها الاعلامية الموجهة والتي تسعي من خلالها الي تحقيق الغزو الثقافي الكامل للعالم الثالث وتلعب وكالات الانباء العالمية وبعض الشركات المتعددة الجنسيات ووكالات الاعلان الامريكية ، تلعب دورا في بسط هذه الهيمنة علي الدول النامية سواء في المجالات المرتبطة بالمجالات التكنولوجية المرتبطة بأجهزة الاعلام أو في المجال الثقافي والاعلامي والاكاديمي حيث توجيه البحوث الاعلامية الوجهة ( التجريبية أو الامبريقية ) والتي تخدم الاغراض الامريكية بدلا من التوجه للدراسات النقدية والتي تكشف أبعاد الهيمنة في المجالات المختلفة . . وهناك ايضا قضية استغلال الولايات المتحدة للتكنولوجيا المتقدمة المتمثلة في شبكات الحاسب الاليكتروني ونظم البث عبر الآقمار الصناعية كي تتخطي برسائلها الاعلامية الحواجز الوطنية للدول الآخري وتعمل علي نشرها علي نطاق عالمي ومما يؤكد فعاليتها كأحدي آليات الهيمنة الثقافية والاعلامية . . ويتطرق المؤلف الي القضية المتمثلة في ضرورة رسم السياسات الاتصالية الوطنية النابعة من السياق المجتمعي للبلدان النامية والمعبرة عن مشاكلها الاتصالية الحقيقية حتي يمكن أن تقوم أجهزة الاعلام في تلك البلدان بدور نشط وفعال في خدمة قضايا التنمية في هذه البلدان والتصدي لمحاولات الغزو الثقافي . . ويري المؤلف أن هناك ارتباط وثيق بين النظام السياسي والنظام الاعلامي فكلما كانت النظم اكثر ايمانا بالديمقراطية الحقيقية – لاالشكلية – أنعكس ذلك علي النظام الثاني بما يتيحه من حرية اداء رسالة في التعبير لهاعن اراء الجماهير وافكارها وتطلعاتها وفي القيام بدورها الشعبي الرقابي في كشف الانحراف والمساوئ وهنا يلتقي المؤلف مع تقرير اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال المنشور بعنوان " أصوات متعددة وعالم واحد " والمعروف باسم تقرير " ماكبرايد " والذي ركز علي أن قدرة بعض البلدان علي أنتاج المعرفة ينعكس ايضا في الانتاج الاعلامي ويتمثل دلك بالطبع في تدفق الانباء والمعلومات0
في أتجاه يكاد يكون واحد أي من الدول الغنية الي الدول الفقيرة مما يفضح مدي الظلم والتشويه الدي تتعرض له قضايا العالم النامي . . لقد فشلت عملية التنمية في ثلثي دول العالم علي أقل التقديرات ولقد كانت هذه ظاهرة لاتتماشي مع الاستقلال الذي تحقق لاكثر من 90 دولة فأكثر من دول العالم بعد الحرب العالمية الثانية . . ولقد أدي ذلك الي اعادة النظر في مفهوم ( السيطرة علي رأس المال ، والاسواق ، وعلي بنية مصادر التمويل الدولية ) فلا يزال ادراك منابع القوة في الاتصالات الثقافية ، لايزال يحبو ويشق طريقه علي نحو ضعيف . . فقد يبدو في الظاهر أنه تم التغلب علي المهيمن وقهرة ولكن في حقيقة الأمر فإن القوي المؤثرة في الوعي تعد عاملا حاسما في تحديد نظرة الجماعه وطبيعة أهدافها والمسار الذي تسكله ولهذا تعد الاتصالات وتدفق الرسائل والصور داخل الامم وفيما بينها ذات دلالة بالغة . . لقد حدثت تغيرات عميقة في قيادة القوة العالمية خلال السنوات الأخيرة وعانت تلك القوة من انتكاسات شديدة بعد هزائمها في فيتنام وتزايد الارتياب في الهيمنة الامريكية وأصبحت القوة العظمي في عالمنا المعاصر مقيدة في استخدام القوة العسكرية بسبب القوة المقابلة ولما تواجهه من تحديات عديدة ، لذلك كان لها أن تعمل علي تطوير استراتيجيات بديلة والا ستخسر الكثير ، وهنا تغدو اساليب الاقناع والتلاعب والتغلغل الثقافي والتي تعاونها تكنولوجيا الاتصالات المتقدمة والتي تطورت في أطار برنامج الفضاء الموجه لخدمة الاغراض العسكرية ، تغدو هذه الادوات اكثر أهمية فضلا عن تراكم خمسين عاما من خبرة التسوق الداخلي ينطلق الآن عبر العالم بأسره . ونظام التسويق الذي تطور كي يزيد مبيعات الناتج الصناعي من السلع الاستهلاكية يطبق الآن علي بيع الافكار والاذواق والتفضيلات والمعتقدات علي نطاق شامل . في عالمنا المعاصر اصبحت المعلومات والاتصالات مكونا حيويا في نظام الادارة والسيطرة فهي تحدد واقعا اجتماعيا وتؤثر علي تنظيم العمل وطبيعة التكنولوجيا ومناهج النظام التعليمي المدرسي وغير النظامي وهذا يبرر القول بأن الفترة القادمة سوف تشهد بوجه اليقين تعاظم الصراع من حول الاتصالات الثقافية علي الصعيدين الوطني والدولي . . " نحن علي أعتاب نوع جديد من الديبلوماسية الثقافية " علي الصعيدين الوطني والدولي . . " نحن علي أعتاب نوع جديد من الديبلوماسية الثقافية " وهذا ورد بتقرير لجنة الخبراء عن الاعلام والتربية والعلاقات الثقافية علي الصعيد الدولي . . لقد توصل ايمانويل والرشتين
( CLASS-FORMATION IN THE CAPLITALIST WORLD ECONOMY,PAPER PRESENTED AT THE VIIITH WORLD CONGRESS OF SOCIOLOGY,TORONTO,AUGEST18-24,1974,PP.1-2. )
في دراسة حول النظام العالمي الحديث ، الي أن هدا النظام يتكون من ثلاثة عناصر أساسية تتمثل في سوق واحد ( يتم في داخلها تقدير الربحية القصوي ) ، توزيع فائض العمل علي نحو يحقق وجود ثلاث فئات بدلا من وجود فئتين في العملية الاستغلالية - ، مجموعة من الدول تتباين في درجة قوتها . . ومن الضروري أن يتطور قطاع الاتصالات الثقافية في النظام العالمي بما يتسق مع أهداف النظام العام وغاياته وبما ييسر تحقيقها ويمثل تدفق المعلومات في اتجاه واحد الي حد كبير انطلاقا من المركز الي المحيط موطن القوة الفعلية . . ويعتقد دافيداوجلي
( CNFESSION OF A MAGAZINE READER . “ READERS DIGEST “ PROMOTIONAL BROCHURE,SEPTEMBER 1974 . )
في معرض موافقته علي مجلة المختار الامريكية ، بأن هذه المجلة تصور أفضل مافي الحياة الامريكية واعتبرها بأنها تقوم بما تقوم به UNITED STATES INFORMATION AGENCY لكسب عقول البشر ويصر READ علي “ TRANSNATIONAL MASS MEDIA. TO BE PUPLISHED”علي دحض مايسمي بالامبريالية الثقافية وأن الضرورة الاقتصادية تخلق بعض احتكارات وسائل الاعلام والتكتلات الثقافية الضخمة ويمتد التغلغل هذا الي جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية في الاماكن المضيفة التي تنفد اليها والأثر يتم الاحساس به علي نطاق الوعي الفردي والجماعي . . وتسفر الانشطة والعلاقات المتباينة وان كانت متداخلة ومتشابكة عن تحقيق السيطرة الثقافية علي المجتمع فعلا في اعداد تشكيلته الخاصة من المنتجات الثقافية فإنه لايستطيع تفادي القوة الاولية للحافز الذي يدفع الشركات الرأسمالية للحصول علي الربح . . ومن اليقين أن البنية الدولية للهيمنة ، أي البنية الاستعمارية ، وجدت منذ مئات السنين ومايجري بحثه هنا هو التحول الدي يطرأ علي هذا النظام فيما يتعلق بأعادة تنسيق مراكز القوي ومصادر الاستغلال المتغيرة والانماط الحديثة للنظام والسيطرة ومفهوم الامبريالية الثقافية ( في حدود هذا المعني ) يصف اليوم وخير وصف جماع العمليات التي تستخدم لادخال مجتمع ما الي النظام العالمي الحديث وكيف تتم استمالة الطبقة المهيمنة فيه والضغط عليها واجبارها ورشوتها احيانا كي تشكل المؤسسات الاجتماعية في أتساق مع قيم المركز المهيمن في النظام وبناه أو حتي الترويج لها . ونظرا لاستخدام وسائل الاعلام في عملية التغلغل ، يستلزم ذلك أضفاء الطابع التجاري عليها وبما يعكس احتياجات السوق النهمه لنظامها التجاري وطالما تغدو الوسائل تجارية الطابع فإنه يعقب ذلك القيام بسلسلة من الضغوط الاقتصادية تكفل أن تنقل أجهزة البث المنتشرة في كل مكان المواد الثقافية التي أنتجتها المراكز الرئيسية وتعد منتجات ديزني نماذج اصلية تحتذي وخير تدليل علي العملية الجارية هذه فالتعليم والبحوث وتنظيمها في بلدان المركز والمحيط علي السواء قد فرض عليهما التواؤم مع متطلبات أقتصاد الشركات متعددة الجنسية وخدمتها وينظم التعليم في الدول الرأسمالية المتقدمة بغية توفير المدراء والعمال المهرة الذين تحتاجهم هذه الشركات والبيرواقراطية الحكومية ويعد صياغة تنظيم المدارس والمعاهد في بلدان العالم الثالث وصياغتها وفقا للنمط الامريكي السائد في أمريكا الشمالية . . يعد من أولي مهام وكالة التنمية الدولية ولايقتصر تنميط العملية التعليمية في دول المحيط علي تعليم قادة المستقبل في المجالات التجارية والادارات الحكومية في نطاق الاقتصاد الرأسمالي العالمي وفقا لاحتياجات الشركات متعدية الجنسيات ، فتنظيم العمل بعامه ومايرتبط به من آفاق وتطورات يعد أيضا من النقاط المحورية للاشراف والتدخل وعلي التوازي يجري نقل الاشكال المؤسسية والبني التنظيمية من البلدان الكبري ( المركز ) الي المجتمعات الأقل نموا ( المحيط ) في ميدان الاذاعة والتليفزيون ويجري نقل الموظفين اليها ومختلف الأشكال التدريبية التي توفرها والبرامج المستوردة أو البرامج النموذجية . ومايعد أكثر ضررا هو أن المشتغلين بالعلم في المناطق التابعة يرتبطون بوعي أو بدون وعي بشبكة اهتمامات واولويات البحث التي تحددها السوق العالمية الدولية . . كذلك التكنولوجيا التي تسفر عنها الكثير من تلك البحوث التي يقومون بها لاتتفق في كثير من الآحيان مع الاحتياجات الملحه لمعظم الشعوب في مناطق بلدان المحيط وحتي في الاقتصاد العالمي ينظر للعملية الانمائية ويجري تطبيقها بوصفها وسيلة تتيح نقل التركيب الطبقي من المركز الي المحيط وتنميطه علي نحو مماثل وتعد السياحة من أنجح السبل التي تؤدي لهذه العملية فالسياحة تدعم تحويل البيئة المحلية وانشطتها مهما كانت الي سلع قابلة للبيع وخلق جو عام بقابلية كل شئ للبيع . يقول “ DAGNINO “
“ TILFORD GAINES , ECONOMIC REPORT , NEW YORK, MANUFACTURS HANOVER TRIST, OCTOBER 1975 . “
" لاتعد آثار التبعية الثقافية علي حياة البشر في أمريكا اللاتينية نتيجة عملية غزو يقودها عدو – أجنبي – وأنما تمثل أختيارا تقوم به الطبقة الحاكمة في هذه البلدان باسم التنمية الوطنية " لجون فوستر دالاس قوله " لو منحت مجالا واحدا من مجالات السياسة الخارجية دون غيره لخصصته لحرية تدفق المعلومات " . . لقد أرتبطت سيطرة فكرة حرية تدفق المعلومات وتوافقت مع الفترة التي هيمنت فيها أمريكا علي العالم . لقد ذكرت مجلة بزنس ويك “ BUSINESS WEEK , 1945,87 ( AUGUST4 ) ( 32.34.41 ) “
" ان السيطرة علي وسائل الاتصال تضفي قوة تكمن في مراقبة التجارة العالمية وتيسر القيام بأنشطة تكون في مصلحة من يسيطرون عليها " ولقد تمكنت التجارة الامريكية قبل أن تنتهي الحرب بفترة من أدماج قضية التدفق الحر للمعلومات في أيدلوجية سياسية رسمية . . ولقد جاءت أهداف اليونسكو منذ انشائها ودافعت عن التدفق الحر للمعلومات واعتبرت أن هذا مبدأ أساسي من مبادئ اليونسكو ودون مبالاة بالغرض الذي تخدمه هذه النظرية أو الذي وضعت من أجل تطبيقه ولقد أنشئت بالفعل شعبة للتدفق الحر للمعلومات في ادارة وسائل الاتصال الجماهيري التابعة لليونسكو ذاتها واعتمدت الجمعية العامة للامم المتحدة في 14 ديسمبر 1946 القرار الذي أعلن أن حرية المعلومات تعد حق من حقوق الانسان الاساسية وهي محك جميع الحريات وتنطوي هذه الحرية علي الحق في جمع الانباء ونقلها ونشرها دون قيد في أي مكان وفي كل صوب وحدب . في الولايات المتحدة يرون أن حق الأمم في السيطرة علي طبيعة الرسائل التي تنقل الي اراضيها يعد أمرا خطيرا وأنتهاكا بالغا لاحكام الدستور في الولايات المتحدة في شأن حرية الكلام وهنا يجب ملاحظة الغطرسة التي تتبدي في اعتبار أن دستور الولايات المتحدة يمكن أن يسري علي المجتمع الدولي بأسرة وهذا يكشف أن هناك تطبيق مغرض لحرية الاعلام فتدفق المعلومات يسير في أتجاه واحد لحد كبير وينتقل بصورة غير متوازنة دون أن يتسم بالعمق والمدي اللذين تتطلبهما مبادئ حرية التعبير . . مقولة وردت في حديث لرئيس فنلندا – مايو 1973 – يورهو كيكونين ( KEKKONEN ) ويستطرد . . هل يمكن أن يكون الانبياء الذين يبشرون بالاتصال الذي لايعوقه عائق غير معنيين بالمساواة بين الامم وأنهم يقفون الي جانب من هم أقوي وأكثر ثراء . . هذا في مبدأ ملاحظة أن المنظمات الدولية تبتعد حقا عن دفاعها الاصلي عن مبدأ التدفق الحر وأوضح كيكونين أن مجرد الحرية الليبرالية للاتصال ليست فكرة محايدة في الواقع اليومي وأنما هي وسيلة تتيح لمشروع تتوفر له موارد كثيرة فرصا أكبر مما في متناول الأخوة الأضعف كي يجعل هيمنته معقولة . في الواقع أنه عندما يوجد توزيع غير عادل للقوة بين الآفراد أو الجماعات داخل الأمم أو فيما بين الأمة فإن حرية التصرف . . حرية الاستمرار في فعل ما أفضي الي الوضع القائم . . أنما تزيد من قوة الآقوياء ومن ضعف الضعفاء والحرية عندما تدعم ضروب عدم المساواة السائدة بينما تزعم أنها تتيح فرصة شاملة للجميع فإنها تعد قمعية بصفة أساسية . . إن التوسع العالمي في نقل البريد اليكترونيا وشبكات المعلومات ونظم استرجاع البيانات عن طريق بنوك المعلومات سوف يؤثر تأثيرا هائلا في السنوات المقبلة علي الثقافات بدرجة أكبر من تأثير أي نظام للبث المباشر . ولهذا يقول ليونارد ماركس ( المدير السابق لوكالة المعلومات الامريكية ( أنه يبدو من الأمور الملحة اليوم درس الدور الشامل للتكنولوجيا لابوصفها اداه لتحقيق الهيمنة الثقافية وأنما بأعتبارها تجسيدا لهذه الهيمنة . التكنولجيا تركيب أجتماعي تخدم نظام القوة الأجتماعية السائد برغم أنها تسهم أحيانا في التغيرات التي تحدث في تنظيم تلك القوة وتوزيعها وفي أثناء عملية التطور الاقتصادي في أوربا الغربية وأمريكا الشمالية فإن الملكية الخاصة للموارد الانتاجية وفرت الاساس الذي تنهض عليه هذه القوة الاجتماعية ونبعت التكنولوجيا المتطورة من الاحتياجات التي شعرت بها هذه القوة ، وأستخدمت لدعمها وتوسيع نطاقها ويجدر أنعام النظر علي نحو أدق في التفاعل بين التكنولوجيا والرأسمالية . إن بث الرسائل من مصادر أرسال مركزية الي متلقين من الأفراد المتناثرين حيث تعيش كل أسرة منعزلة في مسكنها الخاص لاتربطها رابطة بغيرها ، يخدم ويضاعف التدفق الذي يسير في أتجاه واحد وترسخ طبيعة النظام وتفصل الحاكمين عن المحكومين . . وهناك بالولايات المتحدة يستشهد عالمان في وزارة الدفاع الامريكية بأن وزارة الدفاع لاتقبل أي أنتاج علمي وتكنولوجي يثمره النمط العشوائي الذي ينتج عن أنشطة البحوث المستقلة في الجامعات أو بالاحري فإن اهتمام وزارة الدفاع بمجال معين يمكن أن يدفع ويحفز عملية النمو والتطور التي يجري تخطيطها لملء الفجوات التكنولوجية في القدرات العسكرية في الأجل القصير المحدد أو في الأمد الطويل العام . . في أوائل السبعينات تكون تحالف دولي سمي الأنتل سات ( Intelasat ) ضم 91 دوله ( حاليا ) مستخدما نظام التوابع الصناعية في الولايات المتحدة وسيطرت علي هذا النظام منذ البداية الشركات التجارية الامريكية الكبري . . إن التكنولوجيا ولاسيما تكنولوجيا الاتصال قد تم أدراكها وتطويرها وتشجيعها بمصالح الرأسمالية الامريكية ومواصفاتها منذ الحرب العالمية الثانية بوجه اليقين ومازالت التكنولوجيا الغربية لاتعد جزءا لايتجزأ من النظام الاستغلالي فحسب ، إنما تعمل علي توسيع وتعميق ذلك الاستغلال . . لقد كانت حركة اللوديت ( محطمو الالآت ) تعارض أدخال تكنولوجيا تحبذ تغليب سيطرة رأس المال المركزية في المصانع علي السيطرة اللآمركزية التي يقوم بها النساجون انفسهم ولكن علي الرغم من أن الكثير من الفرص الأولية التي أتيحت للسير في مجري تاريخي مغاير قد يكون قد ضاع بلا رجعة فإنه من الأمور المهمة في حد ذاتها ولاسيما بالنسبة لمجتمعات يمكن أن تتاح لها فرصة أختيار آخري . . في هذا أقرار إن ماهو سائد الآن فعلا لايثبت تفوقه من الناحية التطورية ولاحتمية حدوثه ولاريب في أنه من المتطلبات الاساسية والأولية لاتخاذ القرارات الاجتماعية المهمة إدراك أن أختيار التكنولوجيا يمكن أن يؤثر تأثيرا بعيد المدي علي نسيج كامل من العلاقات الاجتماعية وأن أقل مايمكن توقعه من هذا الادراك هو التباطؤ في الاندفاع لتقليد ومحاكاة النماذج الانمائية الغربية ( ونماذج الاتصال ) ويحسن أن يكون القرار الرئيسي الخاص بأستيراد العالم الثالث للتكنولوجيا الغربية هو لماذا الاندفاع ، وتشير الشواهد المستمدة من مصادر شتي الي النفع العظيم الذي يحققه التروي والتفكير والتقييم المتأني والتردد قبل أن تدخل في أي مكان أحدث نماذج البحوث والتقنيات المتقدمة التي تصدر عن الشركات الغربية الساعية للربح ومما لاشك فيه أن استخدام موارد الأمة للوفاء بضرورات الحياة والعماله والمساواه وعدم أهدار الموارد في استهلاك حفنة من الافراد لسلع الرفاهية والكماليات الغربية وتخصيص بدائل لانتاج وتوزيع الاغذية والرعاية الصحية والمساكن والمدارس بحيث يستفيد منها الجميع ، فإن هذه الاولويات سوف تؤثر في تدفق التكنولوجيا وسوف تعمل علي تنظيم الواردات والصادرات وكمية الاستثمارات الأجنبية ومستوي الاستهلاك الشخصي ونوعيته وبما في ذلك استهلاك المعلومات وسوف تسمح هذه الاولويات بتحقيق منافع آخري وتتيح بصورة آلية ايجاد متنفس والتوقف برهة قبل الاندفاع في أتجاه نقل التكنولوجيا واستخدامها دون تقييم وترو . . وتنطبق تحذيرات فرانز فانون علي جميع من يحاولون ترسم خطي نموذج التنمية الغربي مستقبلا " نستطيع اليوم أن نفعل كل شئ مادمنا لانحاكي أوربا ، مادامت لاتستحوذ علينا الرغبة في اللحاق بأوربا . . ولقد قررت مستعمرة أوربية سابقة منذ قرنين من الزمان اللحاق بأوربا ونجحت في ذلك تماما بحيث غدت الولايات المتحدة الامريكية وحشا ترعرعت في داخله شوائب أوربا وأمراضها ولا أنسانيتها وأكتسبت أبعادا مروعة . نحن لانبغي اللحاق بأحد ومانريد أن نفعله هو السير قدما طوال الوقت ، ليل ونهارا في رفقة الانسان وبصحبة جميع البشر ولايحسن أن تتضخم القافلة وتتمدد لأن كل صف في هذه الحالة سوف يصعب عليه رؤية ماتقدمه . . ولابد من قلب صفحة جديدة ويتعين أن تستنبط مفاهيم جديدة ونحاول أن نجعل أنسانا جديدا يقف علي قدمية " . . تعد التكنولوجيا في حد ذاتها شكلا قويا من أشكال الاتصال وليس مجرد قناته الوحيدة للبث والارسال . . وأن مجري التنمية لايمكن النكوص عنه والذي قد يفضي في أحسن الآحوال الي محاكاة مبتذلة لما يوجد ويعمل علي نحو يسبب كوارث بالغة ـ من وجهة نظر أنسانية ، في القطاع الرأسمالية المتقدمة من العالم ، لايحقق نفعا للشعب الذي يتطلب بإلحاح واستماته تحسين أحواله المادية والادارة الحديثة التي تختص بتشكيل عقول البشر واستخدام المعلومات والصور الفكرية والتعليم والتكنولوجيا مشكلات جديدة علي الشعوب الخاضعة للسيطرة سواء داخل الدائرة أي في البلدان الصناعية أو في المناطق المحيطة التابعة . لقد أنتقل الصراع الطبقي ( صراع الجماعات المتنازعة للحصول علي نصيب أكبر من الناتج الفوري ( السنوي ) في الأجل القريب ثم السيطرة علي النظام الانتاجي ) الي المجال الاتصالي الثقافي بطريقة صريحة سافرة وبعد بروز السياسات الاتصالية الوطنية يعد أنعكاسا للصراعات . ولقد أصدرت اليونسكو منذ عام 1974 سلسلة من الدراسات الاتصالية الوطنية تنفيذا لتوصية فريق خبرائها بأعتبار أن قضية الاتصالات الاعلامية لاتنفصم عراها عن قضية السيطرة الاجتماعية في نهاية الامر وتتحقق الهيمنة الخارجية في مجالات الاتصالات الثقافية بطرق كثيرة غير أن الشرط الاساسي والجوهري هو السيطرة علي أنتاج الرسالة ( الصورة والمعلومات ) وقنوات نقل الرسالة في آن واحد ، لقد درس QUBACK ( PROPOSALS FOR A COMMUNICATION POLICY FOR CONDA – QUBACK – 1974 ) الآليات التي تكفل سيطرة الشركات الامريكية الخاصة علي تمويل الافلام وتوزيعها علي نطاق العالم بأسرة ، لقد كتب " يشكل الموزعون الامريكيون ، علي أية حال أكثر المجموعات أهمية في أوربا ، إن لم يكن في العالم بأسرة وأكبر الافلام في أوربا حقا ليست هي شركات بريطانية أو فرنسية أو ايطالية أو المانية ولا حتي أوربية بل هي شركات أمريكية . . وبالنظر الي الاستثمارات الامريكية الضخمة في أوربا بوجه عام ، ففي أي أطار يمكن الحديث بصورة واقعية عن الذاتية الثقافية " ولاشك في أن القاعدة التكنولوجية هي التي تدعم جميع وسائل الاعلام ونظم الاتصال علي وجه العموم ويعد خلق التكنولوجيا الجديدة وادارتها وتوزيعها بمثابة الاختيار الآخير للقوة الحديثة والمقدرة علي الهيمنة وتعد التكنولوجيا المنبع الاساسي لزيادة الانتاجية والفعالية ، ويترتب علي نقلها نتائج مهمة بالنسبة للعلاقات الاقتصادية الدولية . . من الملاحظ تسارع معدل التجديد في مجال وسائل الاتصال ( الكلام 500000 سنة ) الكتابة 4000 سنة ، الطباعة 500 سنة ، التليفون 100 سنة ، الاذاعة 50 سنة ، التليفزيون 25 سنة ، الحاسبات الاليكترونية 25 سنة ، التوابع الصناعية 10 سنوات ) وتعد هذه الحقائق محركا اساسيا لخلق القلاقل الاجتماعية التي تثير الاهتمام لقطاع الاتصالات الموجود في الكيان الاجتماعي . والتجديد التكنولوجي لاينشأ من الفراغ وأنما يشجعه ( أو مثبطه ) النظام الاجتماعي السائد وفضلا عن ذلك فإنه يتعامل مع هذا النظام لكي يحقق عادة أهداف القوي المسيطرة التي تتحكم فعلا في الوضع الاجتماعي وكثيرا ماتثمر التجديدات عن بعض الآثار غير المتوقعة التي لايمكن أن تتماثل وتتعارض مع تطلعات المسيطرين علي النظام ومن المفترض أن تسيطر القوي المهيمنة أجتماعيا علي الادوات وتوجهها لصالحها غير أنه من الطبيعي ايضا أن توجد جميع ضروب الشد والجذب ولايمكن التكهن دوما بالنتائج . لقد عاون التركيز الهائل لرأس المال الخاص في خلق صناعة ضخمة عملت بدورها علي توفير مستوي مرتفع للغاية من الانتاجية وأن المقدرة علي زيادة المنتجات بأطراد مع تدني مدخلات العمل تنبع من أدخال نظام الآلات الاوتوماتيكية والكفاءة في مواقع العمل وليس آخرها الجهود التي تبذلها القوي العاملة التي تتسم بالمهارة وجودة التدريب وهذا أدي بدوره الي زيادة الانتاجية وضغط القوي العاملة وتوفر وقت فراغ كبير وهذا ينطوي بدوره علي كل ضروب عدم الاستقرار ولايعد القهر العتيق النابع من الأزمة الاقتصادية والبطالة والجوع وعدم الأمن من الادوات الملآئمة لاخضاع القوي العاطلة أو تخفيف وطأة التضخم أو تمكين النظام من التوقف برهة وهذه الحقائق تعمل علي نمو الاعتماد علي الاقناع وصناعة الصور سمة أساسية ومتنامية من سمات الرأسمالية الحديثة وهنا تنشأ ضرورة صياغة السياسة الاتصالية الوطنية ببعد محلي ودولي علي السواء وتسعي الشركات متعدية الجنسيات الي دخول الاسواق وتحقيق الأمن الفعلي عن طريق كسب السيطرة علي البني الاساسية للاقناع أي وسائل الاعلام
.